2012-02-12 10:19:52
أهالي الخير أعادوا له الحياة ... بقلم باسل الربداوي

قصة إنسانية فريدة من نوعها تلك التي حدثت مع السيد يوسف أحمد الصقر، قصة تؤكد من خلال تفاصيلها المطولة بأن مجتمعنا لا يزال يحتفظ بالكثير من الصفات العربية التي اشتهر بها كالإيثار والكرم وحب الخير

فالسيد يوسف والذي كان يملك صالون للحلاقة في أحد أحياء مدينة نوى الواقعة إلى غرب مدينة درعا ب(35) كم كمصدر الرزق الوحيد بالنسبة له، بدأت معه القصة كما رواها عندما أحس في أحد الأيام وفي أثناء عمله بتعب وإعياء شديدين وبألم في منطقة البطن، الأمر الذي دفعه لإجراء بعض الفحوصات الطبية في مشفى نوى الوطني، وقد تبين على أثرها وجود حالة التهاب في الكبد وبشكل غير قابل للعلاج، قبل أن يتم تحويله إلى مشفى درعا الوطني لإجراء مجموعة من التحاليل والتي كانت باهظة الثمن، وهنا عجز الأطباء في المشفى عن تشخيص الحالة وتحديد مدى خطورتها، ولكن البعض منهم أكد أن هناك حالة تشمع في الكبد، وحتى هذه اللحظة فقد كان السيد يوسف لا يزال يقوم بفتح صالونه لدى الانتهاء من القيام بالفحوصات والتحاليل في محاولة منه لتغطية قسم من تكاليفها المرتفعة.
بعد كل ماسبق لم يجد السيد يوسف بداً من تجريب بعض الأطباء أصحاب الشهرة وقد حط به الرحال في مدينة دمشق عند طبيب قدم مؤخراً من الولايات المتحدة الأمريكية وهو أستاذ جامعي وقد قام بتحويله إلى مشفى الأسد الجامعي بدمشق حيث أجريت له تحاليل قدرت تكلفتها ب(50) ألف ليرة، بينما قدرت التكاليف الكاملة التي أنفقها حتى الآن بنصف مليون ليرة، وقد اكتفى هذا الطبيب بوصف الأدوية موضحاً ضرورة الانتظار لمدة عشرين عام قبل التفكير بعملية الزرع مع ملاحظته لعدم وجود أي تحسن ناتج عن الأدوية، وهنا بدأ السيد يوسف بفقدان الأمل في إمكانية العلاج، ولكن التطور المهم كان عندما توجه إلى طبيب في دمشق يدعى محمد رائد أبو حرب والذي أكد أن هناك حالة تشمع كبد وطلب إجراء التحاليل فوراً للتأكد من الحالة، وقد أصر على ضرورة التحضير لإجراء العملية مباشرةً نظراً لحراجة الحالة التي ساهم التأخير كما قال في تطورها بهذا الشكل.
ولكن المشكلة هنا بأن إجراء العملية يحتاج لمبلغ كبير يصل إلى خمسة ملايين ليرة وهو غير متوفر إطلاقاً، فلم يجد أهل المريض حلاً سوى عرض المشكلة على أهالي المدينة والجمعيات الخيرية لعل وعسى يتم تأمين هذا المبلغ، وبالفعل فقد ذيع بالمساجد وعلى الأهالي من أجل تقديم العون له وقد كانت النتيجة أكبر من المتوقع فقد مد الجميع من أهالي المدينة يد المساعدة وبشكل كبير، وقد لعب المشايخ والوجهاء والأصدقاء والجيران والأقارب دور كبير في ذلك، كما تم الحصول على جزء كبير من المبلغ عن طريق أشخاص خيرين من قرية الجيزة في شرق المحافظة تم اللقاء بهم بالصدفة، ومع ازدياد الحالة حرجاً بدأت التحضيرات النهاية للسفر وقد كانت الوجهة إلى الصين كون الأسعار أقل بكثير مقارنةً بغيرها من الدول، ووقع الاختيار على شقيقته لتكون هي المتبرع، ولكن الأمور في الصين لم تكن ممهدة بل كانت غاية في الصعوبة، وهنا يروي السيد يوسف ما حصل معه بالتفصيل: عند الوصول إلى مدينة كونزوا في الصين واجهنا مشكلة المشفى الذي سيتم فيه إجراء العملية، وتوجهنا بعدها إلى مدينة أخرى في الصين هي تنجين وبعد الوصول إلى أحد المشافي التي أبدت قبولها بإجراء العملية نصحني بعض الأطباء هناك بالعودة إلى سوريا لعدم وجود أمل في نجاحها، لكنني أصريت على إجراءها وبعد التقدم للفحوصات ظهرت هنا مشكلة أخرى حيث اكتشف الأطباء بأن زمرة دم الشخص المتبرع يجب أن تكون مطابقة لزمرة دمي وهذه الميزة غير متوفرة عند شقيقتي، وتم الاتصال مع الأهل في سوريا لتأمين شخص متبرع، وقد تطوع لهذا الأمر زوج شقيقتي السيد محمد نصر الله والذي تصدى لهذا العمل الإنساني العظيم رغم إدراكه لمدى خطورة الحالة، وقد تم قدوم السيد محمد إلى الصين وأجريت له الفحوصات التمهيدية للعملية الخاصة به والتي أجريت بنجاح.
عن لحظات قبل وبعد إجراء العملية يصفها السيد يوسف بالقول: قبل العملية وصلت إلى حالة لا أحسد عليها فقد كنت أعيش على الأدوية وتحت العناية المركزة على مدى الأربعة والعشرين ساعة، ولم أكن أدرك الأحداث كاملةً، أما عند دخولي إلى العملية والتي استمرت لمدة عشرين ساعة فلا أذكر منها سوى دخول شقيقتي لتخبرني بأن العملية انتهت وتكللت بالنجاح.
ولم يجد السيد يوسف كلاماً يختم به حديثه سوى أن يحمد الله ويشكر الناس الذين ساهموا بوصوله إلى هذه المرحلة وبالأخص شقيق زوجته السيد محمد الذي كان أكبر المساهمين والسيد محمد عداد النصر الله رئيس جمعية الإمام النووي والأقارب والأصدقاء والجيران وأهالي المدينة بشكل عام وكل الداعمين والمساهمين.
وفي تفاصيل الحالة بعد العملية فالأطباء أكدوا بأن الكبد المزروع هو الآن بحالة جيدة ومستقرة، وتم تسجيل نموه بنسبة 60- 70 %، ويبقى أن نتساءل عن الطريقة التي يتم التعامل بها في مشافينا مع مثل هذه الحالات والعجز عن التشخيص الدقيق للحالة، كما يجب أن نشير إلى أهمية العمل الخيري والإنساني والذي يفعل المعجزات كما في هذه الحالة. السيد يوسف الصقر وأولاده